كانت الأخيرة


جلست في السيارة عادتي عندما اشعر بالملل أو الضجر ولكن هذه المرة جلست خلف المقود سحبت سجارتي من مرقدها استعدادا للدخول إلى ذلك العالم الغامض المريب أسندت مرفقيَّ على المقود لاشعلها , انعكس شعاع اللهب المنبثق من الولاعة الفضية لتنير حرف اسمها الأخير الذي يرمز لحرف اسمي وحرف اسمه , سحبت اللهب من الطرف الأخر للسجارة بعنف , كان الهدوء والظلام يحوم حولي حتى سكنني , إنها حاله سكرة جديدة , رفعت رأسي إلى الخلف مسندته على المقعد لأرفع رجلي اليمنى واتكئ بركبتي على المقود , نفثت بعد شهيق دام ثواني طويلة بداية أطراف همومي , إنها سجارتي الأخيرة , يداي في حالة استرخاء تام كجسدي تماما عيناني مغلقة لولا مقاومتي لها , رفعت كفي كي أسكن السجارة بين أصبعي وانفضها في كوب القهوة الفارغ إلا من بقايا البن الأسود , لا أعلم لم هذه اللحظات أصبحت طويلة وان الدقائق في حساباتي أصبحت ساعات لا تسير , لم أعد أستطيع أن استجمع شتات أفكاري المبعثرة داخل خيالي وذكرياتي وكل مشاعري , رفعت السجارة أمام عيني مركزة بُعد نظري بوضوح على ذلك الجزء الملتهب والضوء الوحيد الذي ينير المكان , أكنت أنت السبب؟ أم أنني أنا من رسم خط الطريق بدقة شديدة لأرسم خطوات دربك عليه أيضا وأأمرك بالمضي هناك دون أن تسمعني , عام كامل وبعده حصدت ثمار ما زرعت , لا استطيع تحديد ثماره أكانت ناضجة أم فاسدة , أكانت متعفنة أم سامة أكانت تؤكل أم خلقت لتكون زينة لتُترك على أطراف خيط الزمن تمضي معه للبعيد , أكنت غبي لهذه الدرجة التي لا تستطيع معها تحديد غايتك من أفعالك الغريبة ,أكنت ثمار لا تجنى ؟ أكنت تلقي بثقل كلامك علي لمغزى أجهله ,أكنت واهمة من مشاعري حين أفقد السيطرة على جوارحي وأنا أحادثك ؟ أكانت أسناني تصطك ببعضها وقلبي ينبض بعنف ومعدتي تتلوى كلها عبثا ؟ أم كان الضد وضده يجتمعون في تلك اللحظات ليعبثوا في معادلات الكون وليثبتوا أن لا عدل سوى هذا العدل والذي طالما كنت انشده في حياتي , عندما أشعر أنني أتصبب عرقا في نفس اللحظة التي بها تزرق أناملي من شده البرد , أكنت تنظر إلى عينيّ , أكنت تسمع صوت قلبي , أم ما زلت تنظر إلى مرآة نفسك وترسم أحلاما وأوهام و مستقبلا لا يقرأه غيرك لأكون لك بعض الوقت لتمضية جزء تروّح به عن نفسك ليمر يومك أقل مللا وضجر ؟؟
رفعت السجارة لتضمها شفتي كي أغير طعمها المر , طعمها دافئ جميل لكنه شديد المرارة , واصلت نفثي لهموم قلبي التي أثقلت أنفاسي .
أعرفت ألان يا عزيزي مدى غباءك , غبائك المبطن تحت ذكائك الذي تخفيه كلماتك الجوفاء , أكنت تفهم فكري حين اسرده بكلمات متصلة باتصال سلسله لا تنقطع , أم أن غبائك يتجلي إلا أن اقطعها وألويها داخل قلبك الذي لا يراه أحد غيري , أكان يستحق الأمر أن أدخن هذه السجارة ؟؟
رفعت يدي التي تضم سجارتي لأحرك المرآة أمامي مركزة انعكاسها على عيني , نظرت بعمق شديد إليها , أحان وقت التفكير الجارح الذي يتخذ نهاية كل طريق أمامي وحين أحكم قلبي أوله ليحكم عقلي أخره فأعيش سلام دائم يحمل آثار جراح يعالجها الزمن بحنانه , فعندما أجعل عقلي أول دربي وقلبي أخره فأنا أعلن بذلك وفاتي , الجراح الغائرة تظل تحت مخدر لذيذ ينزف ما دمت حية ولن يجف منبعه حتى أجف أنا من روح الحياة , فالأول أهون علي من أن أعيش أيامي أنزف دون ألم أختار طريق نهاية أكرهها .
خطيئتي التي لن تغتفر حين تحدثت معك ذلك اليوم المشئوم مستمعة لقلبي مهمشة عقلي أجد غبائك يطويني بين لحديه أينما حللت وما زلت أنظر إليه حين تأخرت كثير , لم تكن تحسب أي حساب للأيام يا عزيزي ألا تعلم مقدار ما يعنيه لي الوقت , ويالك من غبي حين قررت أنا قبل أن تقرر , ليبدأ صراخ قلبي الذي ما زال يئن صداه في أذني حين حكمت عقلي لأسمع صداه المبحوح يئن حولي , تلك الصرخة المكتومة التي انبعثت من بين شفتي ينبئني بأن اللهب وصل إلى طرف إصبعي ( انتهت السجارة ) أطفأت لهيبها ورفعتها مجددا لأتيقن حق اليقين أنها ستكون الأخيرة , لقد كنت سجارتي الأخيرة عزيزي , لا أستطيع أن أعبر لك عن مقدار متعتي الجامحة حين جربتك وعشت معك وحين أيقنت أنك سكنت داخلي روحاً تهوى , وأنك الآن جسد بلا روح , روحك الآن التي تهيم داخل رئتي لتعبر بها إلى دمي الذي يسكن قلبي وسيصبح قريبا جزء مني , لأنك السرطان اللطيف , وعشقي لك لن ينتهي ما دمت أتنفسك وأقسم لك أنني لم أعشها سلفا قط ولن اسكن روحا معك ما حييت .. لن أسمعك كلماتي هذه حتى يزيد غرورك فما تحمله داخلك يكفي دهرا بل وأبدا , نزلت من السيارة وفي يدي السجارة , تلفح ملامح وجهي نسمات الفجر الناعمة , رميتها بقربي نظرت طويلا إليها تقطع امتداد نظري خصلات شعري سريعا , لا لن أفعل , لن أدوس عليها كما هي عادتي ربما لأنها حملت مشاعر لم أعهدها في حياتي أغلقت باب السيارة وأسندت ذراعي عليها وتذكرت دائما ما يُنظر إلىّ بنظرة الشخصية القوية التي لا تمس , ردت بقوة “نعم أنا قوية لكنني لست الفولاذ” , أنني أنثى هي داخلي لن يحظى بشرف رؤيتها من هو ليس جدير بالنظر إليها رفعت رأسي وقبلت السيارة التي تعني لي الكثير في حياتي والتي لو عشت ضعف ما سأعيش وأعيش لن أوفي نصف حقها علي , أكنتم تقرؤونني حقا , لا .. لن يقرأني غيره


Advertisements
التصنيفات :حبر منشور, صرخات عقلي
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: